الأحد, 5 أبريل, 2026

القرار الخليجي ومواقف الدول المتحاربة

منذ بدء العمليات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية على إيران، بدأت التساؤلات حول الهدف النهائي من الحرب


Default

 

منذ بدء العمليات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية على إيران، بدأت التساؤلات حول الهدف النهائي من الحرب. بالنسبة للرئيس ترامب فهو كان غامضاً متذبذباً فيما يبدو أنه بشكل مقصود في شرح أهدافه. بدايةً أعلن أنه يريد تغيير النظام في إيران ومساعدة الشعب الإيراني في التخلّص من مضطهديه. ومن ثم بدأ الحديث عن تغيير فعلي حصل في منظومة الحكم وأعلن نجاحه في تحقيق أهدافه، بينما من المعروف أنّ تغيير النظام الإيراني لا يعني قتل بعض المسؤولين بصرف النظر عن أهميتهم. أيضاً برر ترامب قبوله بشخصيات من الداخل لمنع حصول سيناريو العراق حينما تسبب تفكيك الجيش والحكومة بعد سقوط صدام لتحوّل المتضررين باتجاه القاعدة وهو ما لا يريد تكراره، كما لا تريد أي دولة في المنطقة مواجهة تداعيات سيناريو تفكك إيران.

 

إذاً، ماذا يواجه الرئيس ترامب؟

الرئيس الأمريكي وبناءً على توصيات لم تُدرِك مدى تأثير المنطقة الاقتصادية على العالم والولايات المتحدة، قد يكون اعتقد بأنّ العمليات العسكرية الكثيفة ستؤدي لانهيار نظام متهالك اقتصادياً من العقوبات، ومتضرر عسكرياً من حرب الاثني عشر يوماً وهذا لم يحصل. أيضاً، قد يكون الرئيس اعتقد أنه تحت الطلب الأمريكي فإنّ الدول الأوروبية ستشارك الولايات المتحدة في الحرب لضمان مصالحها الخاصة. أهمها استقرار العبور في الممرات البحرية، ووضع نهاية للنظام الإيراني الذي ساعد عدوة أوروبا، روسيا، في حربها ضد أوكرانيا، لكن يبدو أنّ استفزاز الرئيس ترامب لأوروبا في ملف غرينلاند رغم تراجعه لاحقاً، واستخدام الرسوم كأدة ضغط لعب دوراً في عدم تجاوب أوروبا مع أي طلب يقدمه الرئيس ترامب، فيما يبدو أنّ العزوف الأوروبي سيكون له تبعات ستقع على أوروبا وليس على أجندة الرئيس الأمريكي نفسه وحسب.

التقديرات كانت خاطئة، والرئيس ترامب يعاني من تأثيرات الحرب على مزاج الناخب الأمريكي، فبعد فترة من الإيجابيات الاقتصادية أنجزها الرئيس الأمريكي منذ وصوله للبيت الأبيض، ابتداءً من انخفاض أسعار الطاقة وانتهاءً بانخفاض الفائدة، بعد هذه الفترة جاءت الحرب لتؤدي لمراجعة كل هذه الإيجابيات ولتشكّل ضغوط كبيرة على القرارات السياسية والعسكرية، بالإضافة لمخاوف الحزب الجمهوري من أنّ المرشحين الديمقراطيين سيستفيدون من تداعيات الحرب الاقتصادية في دفع حظوظهم خلال الانتخابات النصفية.

المعضلة اليوم بالنسبة للرئيس الأمريكي أنّه يواجه، رفض حلفائه الأوروبيين لمساعدته في زيادة الضغوط على إيران لفتح مضيق هرمز قسرياً، وهذا يعني أنّ الرئيس ترامب يقف أمام سيناريوين: فإما سيناريو خروج سريع من خلال اتفاق شكلي سيفتح باب الحرب من جديد لاحقاً، وترك التداعيات ماثلة أمام الاقتصاد العالمي والأمريكي، وفراغ تملؤه الصين في منطقة عادةً ضمن التحالف الغربي، أو سيناريو الاستمرار بالعمليات العسكرية، التي قد تقود لتدخل برّي، في جزيرة خارك أو في مواقع استراتيجية أخرى في إيران وتهديدات الرئيس الأخيرة تشير أنه متجه نحو خيار التصعيد.

 

ماذا تواجه إيران؟

تواجه إيران تحديات تتعلق بتزايد شدّة العمليات العسكرية والتي لم تعد تقتصر على استهداف مواقع مصانع الأسلحة والصواريخ والمسيرات، بما فيها المتواجدة تحت الأرض، لكن تنتقل العمليات إلى القطاع الاقتصادي مثل استهداف مصانع الصلب، واستهداف الجسر بين طهران وكرج، كما توعّد الرئيس ترامب بإعادة إيران للعصر الحجري وهذا يعني أنّ استهداف البنى التحتية المدنية سيتزايد في حال اعتبرت إيران أنها في موقع تفضيلي مقابل الولايات المتحدة الأمريكية خلال فترة الوساطة التي تعمل عليها عدة دول إقليمية ودولية، كان آخرها إعلان الصين عن مبادرة صينية-باكستانية لإعلان هدنة فورية والانتقال للمفاوضات.

تواجه إيران تحدي آخر يرتبط بسوء تقدير مدى السوء الذي يمكن أن تصله الحرب، وهو واضح من خلال تصريحات المسؤولين الإيرانيين التصعيدية، وعدم تعاونهم مع المفاوضات الراهنة برعاية باكستان والتي يفترض أن يتم استخدامها لوقف حرب تكلّف الإيرانيين الكثير بما فيهم النظام الإيراني الذي فقد الكثير من مسؤوليه، وقد تقود فعلاً لتبعات تهديد وجودي في حال استمرارها.

طرح المسؤولين والمنابر الرسمية الإيرانية يشير بدوره للتمسّك بذات السياسات التي أدت للحرب، وهو إنكار التأثر بالحرب، وإعلان الانتصار ورفض أي تنازل، والسعي لتحقيق مكاسب غير مشروعة من خلال التمسك بفرض السيطرة على مضيق هرمز ووصفه ب"بالسيادة" على المضيق، والتأكيد على الهيمنة الإيرانية في الممر البحري خلال الحرب من خلال تعطيل الملاحة واتخاذ قرارات تتعلق بالسماح أو رفض السماح بالعبور، والإشارة لاستمرار الهيمنة بعد الحرب أيضاً، وهو سيناريو لن يكون مقبولاً لدى أي طرف في المنطقة لأنه عملياً سعي لاكتساب حقوق غير مشروعية لصالح إيران كنتيجة للحرب. كذلك المقترح وزير الخارجية الإيراني السابق، جواد ظريف، أعلن فيه أنّ إيران حالياً منتصرة في حربها، ويدعوها لجني ثمار هذا الانتصار، وهذا يمثّل بحدّ ذاته إشكالية، لأنه يقدّم فهم مغلوط وطرح أحادي الجانب لمستقبل الأمن الإقليمي والتعامل مع آثار الحرب.

أعلن ظريف فشل تحالف دول الخليج مع الولايات المتحدة لحماية المنطقة، في نوع من لغة التشفّي، غير الدبلوماسية والتي لا تتضمن أي نوع من أنواع الاعتذار للجيران واستهدافهم المباشر، وهو يفترض أنّ دول الخليج ليس لها رأي أو دور في كيفية انتهاء الحرب مع دعوته لتوقيع اتفاق عدم اعتداء ثنائية مع واشنطن وليس متعددة الأطراف متجاهلاً الدول التي تم العدوان عليها، وهو يتجاهل إسرائيل التي بدأت الحرب ضد إيران مرتين، وهذا يعني أنّ أي سيناريو لا يتضمن التعامل مع علاقة إيران وإسرائيل لن ينهي الحرب تماماً بصرف النظر عن أية اتفاقية قد توقع بين إيران وواشنطن.

 

ماذا عن مصالح دول الخليج؟

تواجه دول الخليج معضلتين الأولى هي سوء التقدير الأمريكي الذي بدأ هذه الحرب بهدف إسقاط النظام الإيراني، أو بهدف إجباره على قبول شروط لم يتم قبولها خلال جولات التفاوض السابقة. والمعضلة الثانية هي الشعور الوهمي بالانتصار لدى الإيرانيين، وهو ما يزيد التعنّت في التفاوض على وقف إطلاق النار نفسه، كما يقود لمناقشات غير منطقية مثل الاعتراف بسيادة إيران على مضيق هرمز وبوقف اعتداءات إيران على سلامة السفن كمقابل لوقف الحرب، ورفع العقوبات بدون مقابل فعلي يضمن عدم الاعتداء من جديد على دول الخليج، هذه الطروحات تنفي عملياً وجود لاعبين آخرين في المنطقة، وبالتالي لن يتم القبول بها ولن تنجح.

انخرطت دول الخليج في نشاط دبلوماسي واسع ضمن المؤسسات الدولية واستخدمت أدوات القانون الدولي في مواجهة الاعتداء الإيراني منذ بداية الحرب، من خلال حشد الدعم لقرار مجلس الأمن 2817 الذي أدان الهجمات الإيرانية ودعا لوقفها فوراً، ولقرار أممي من مجلس حقوق الإنسان الذي أدان استهداف المدنيين والبنية التحتية المدنية ووصفها بالانتهاك الخطير للقانون الدولي. هذه القرارات الأممية ليست رمزية لكنها تمهّد لخطوات ستأتي بعد الحرب لمطالبة إيران وفق القانون الدولي بتعويضات لدول الخليج نتيجة العدوان عليها، وهو حقّ لدول الخليج وحقّ للسكان الذين تضرروا من الهجمات الإيرانية على المرافق المدنية والمؤسسات الاقتصادية.

بالنسبة لدولة الإمارات فقد عبّرت تصريحات المسؤولين عن حزم واضح في التعامل مع الهجمات التي وصفت مراراً بالإرهابية ضد الدولة. وقد طالب معالي خليفة شاهين المرر "الأشقاء والأصدقاء لدعم وتبني خيار اللجوء لمجلس الأمن تحت الفصل السابع لمنع إيران من إغلاق أو تهديد مضيق هرمز.. ورفض ابتزاز إيران لدول المنطقة ودعا لمحاسبتها وتحميلها تبعات العدوان باعتبارها مسألة أساسية لردعها". وهو سياق يتم تكراره بشكل مستمر من المسؤولين في الدولة باعتبار أنّ نتيجة الحرب الإيرانية يجب أن تتضمن أولاً ردع لإيران بعدم تكرار الاعتداءات ضد دولة الخليج، وثانياً تحميل إيران مسؤولية الأضرار التي سببها عدوانها على اقتصاد وسكان الخليج، وثالثاً منع أي محاولة لأن تحقّق هذه الحرب مكاسب غير مشروعة لإيران مقابل حقوق ومصالح دول الخليج.

 

أدوات ووزن القرار الخليجي

دول الخليج تمتلك جميع الأدوات القانونية والاقتصادية لإدارة مشهد الحرب وعناصر القوة لإدارة مسار التفاوض على نتائجها، فهي من يمتلك السيطرة على مصادر الطاقة وبنيتها التحتية، ودول الخليج أيضاً مطلة على الممرات البحرية الاستراتيجية ولا يمكن تجاهل مواقفها ومصالحها في أي تفاوض بين الولايات المتحدة وإيران سواء تعلق بشروط التفاوض على التفاوض الذي يحصل حالياً، أو فيما يتعلق بأي اتفاق سلام قد يتم مناقشته بناءً على اعتبارات تخصّ منطقة الخليج.

شروط تحقق الحلّ الدبلوماسي الذي تريده دول الخليج يتضمن أولاً، إبراز الأهمية الاستراتيجية لتعاون جميع الدول العربية والخليجية حول مستقبل الدور الجامع في المنطقة. وثانياً، ابتعاد إيران عن خطاب العنجهية تجاه العرب، وتبني خطاب اعتذار، احترام، بناء ثقة، وثالثاً، اتفاق إقليمي بعدم الاعتداء وليس اتفاق ثنائي أمريكي-إيراني يوحي بسطوة إيرانية في الخليج بعد الحرب. كما أنّ استخدام إيران لقدراتها العسكرية، الصواريخ والمسيرات، وترويعها للمدنيين في دول الخليج، يحتاج لمفاوضات حول القدرات الدفاعية المسموح بها، والقدرات الهجومية التي لا يفترض امتلاكها في ظل اتفاق عدم اعتداء. ورابعاً، اتفاق إقليمي يفرض ضمان أمن الممرات البحرية بمساهمة جميع الدول المطلة على مضيق هرمز، ويمكن أن يتم ذلك بدعم بعض الدول الأخرى ذات المصلحة، وأن يكون اتفاق مبني على حوار وبيان يتم الإعلان عنه بصورة واضحة مشتركة.

صحيح أنّ الولايات المتحدة كانت قادرة على توقيع اتفاق مثل خطة العمل الشاملة في عهد أوباما بدون مشاركة دول الخليج، وهي قادرة على بدء وإنهاء حرب بدون موافقة خليجية، لكن إذا أرادت إيران الحصول على مآلات مستدامة وناجحة في أي اتفاق تصل إليه مع واشنطن فهي تعلم أنّ دول الخليج هي المدخل الرئيسي وبدون رأب الصّدع الحاصل في علاقتها مع جيرانها ستبقى في عزلة إقليمية ومحدودية للأفق الاقتصادية.

دول الخليج، أثبتت نجاح قدراتها الدفاعية في صدّ الهجمات الإيرانية، ومرونتها في مواجهة وقف الخطوط اللوجستية، وتماسكها المجتمعي في مواجهة التهديدات، وأثبتت من خلال سياسة متزنة أنها ليست دول ردود أفعال، بل دول تضع استراتيجيات تضمن أمنها، وأمن سكانها واقتصاداتها، بالتالي فإنّ الدول التي تستطيع إعلان النصر هي الدولة التي أحسنت اختياراتها خلال العقود الماضية وخلال هذه الحرب، ويبقى على إيران أن تقرر التحوّل لدولة تحاكي النموذج الحداثي الناجح الذي تمثّله دول الخليج، ويبقى على الرئيس ترامب أن يستعيد حلفائه الأوروبيين ومنع حصول مزيد من التداعيات بسبب الشرخ الأوروبي-الأمريكي.

رشا الجندي

رشا الجندي

مشرف بحثي

المزيد

مجالات الخبرة

  • خبيرة في الشؤون الأمنية والملفات السياسية الاستراتيجية لدول الخليج.
  • خبيرة في قضايا التعاون والأمن الإقليمي لمنطقة الشرق الأوسط وباحث أقدم في شؤون الخليج.

التعليم

  • شهادة ماستر في العلاقات الدولية والنظام العالمي من جامعة ليسستر في المملكة المتحدة 2016.
  • تخرّجت من كلية الحقوق عام 2006.

السيرة الشخصية

أ.رشا الجندي حائزة على شهادة ماستر في العلاقات الدولية والنظام العالمي من جامعة ليسستر في المملكة المتحدة 2016. تخرّجت من كلية الحقوق عام 2006، وتدرّبت كمحامية لتلتحق بنقابة المحامين في دمشق عام 2009. رشا خبيرة في أمن وسياسات منطقة الخليج، وتعمل في هذا الاختصاص منذ عام 2011. رشا باحث أقدم في شؤون الخليج في مركز دبي لأبحاث السياسات العامة، كما أنها تشرف على البرنامج التدريبي للمركز.